القاضي عبد الجبار الهمذاني
47
شرح الأصول الخمسة
أول نعم اللّه علينا فقد عاد رحمه اللّه تعالى إلى ذلك ، فيقول : إن أول نعمة أنعم اللّه تعالى بها على الحي خلقه إياه حيا لينفعه بذلك . واعتبرنا خلقه إياه حيا لينفعه لأنه لو لم يخلقه لم يكن منعما عليه كما في المعدوم ، ولو خلقه غير حي لم يكن منعما عليه أيضا كما في الجمادات ، ولو خلقه حيا لا لينفعه بل ليضره لم يكن منعما عليه أيضا كما في الكفار والفساق إذا أعادهم للنار فإنه لا يكون منعما عليهم وأن خلقهم أحياء ، لما لم يخلقهم لينفعهم بل ليضرهم ، فلا بد من اعتبار هذه الوجوه الثلاثة : الخلق ، والحياة ، وأن يكون غرضه به نفعه . ولهذا قلنا : إن المجبرة مع تمسكهم بالجبر لا يمكنهم أن يعرفوا أن للّه تعالى نعمة على أحد ، لا نعمة الدنيا ، ولا نعمة الدين ، لتجويزهم أن يكون اللّه تعالى خلق الخلق لا لغرض أصلا ، لا لمنفعة ولا لمضرة ، بل خلقهم عبثا ، تعالى عن ذلك . وهذا يوجب عليهم أن لا يعرفوا اللّه تعالى إلها تحق له العبادة ، لأن العبادة هي النهاية في الخشوع ، والغاية في الشكر ، والشكر إنما يستحق على النعمة ، فإذا لم يمكن القوم أن يعرفوا كونه منعما أصلا ، كيف يمكنهم معرفة إلهيته واستحقاقه للعبادة ، التي هي النهاية في الشكر . وهذا كله عارض في الكلام . والغرض المقصود هو أن الحياة أولى نعمة أنعم اللّه تعالى بها على الحي . والدليل على أن الحياة نعمة ، هو أنها مصححة للانتفاع بها ، حتى لا يصح التنعم إلا بها ، وإلا لأجلها ، فيجب أن تكون نعمة ، والنعمة قد تكون نعمه وإن لم تكن نفعا بنفسها إذا كانت مؤدية إلى المنفعة أو مصححة لها على ما قد بيناه . فإن قيل : ليس بأن يدل تصحيحها للانتفاع على كونها نعمة ، أولى من أن يدل تصحيحها للاستضرار على كونها نقمة ، فكيف جعلتموها نعمة والحال هذه ؟ قيل له : ليس كذلك ، لأن هاهنا مخصصا يخصصها بأحد الوصفين دون الآخر ، وهو قصد اللّه تعالى بها النفع وو لهذا قلنا إن اللّه تعالى لما لم يقصد بخلق الحياة في الكفار والفساق إذا أعادهم للنار نفعهم لم يكن منعما عليهم . وإذ قد عرفت أن الحياة من النعم ، فالذي يدل على أنها أول نعمة أنعم اللّه تعالى بها علينا ، هو أن سائر المنافع يترتب على الحياة ، إما في وجودها ، أو في صحة